لم يعد التعريف الجغرافي التقليدي للقرن الأفريقي يعكس بصورة كافية الحقائق الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية التي تفرضها التحولات الراهنة في النظامين الإقليمي والدولي. إذ تنتهج دول المنطقة سياسات خارجية أكثر حزمًا، وأحيانًا أكثر تصعيدًا، وتنخرط في تدخلات استراتيجية استباقية، وتشكّل تحالفات مرنة، وكل ذلك تحت مظلة حماية المصالح الوطنية. وقد أسهمت الحرب الروسية الأوكرانية، والصراعات التي اندلعت لاحقًا في مناطق أخرى، وتصاعد المواجهات التي تشمل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، في تسريع التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وفي تشكيل استجابات سياسية مقابلة لها.
ويقول الباحث يونس ييززيو، في تحليل نشره موقع هورن ريفيو، إن التطورات الإقليمية تستدعي توسيع مفهوم الجوار الاستراتيجي لإثيوبيا ليشمل مصر واليمن، بالنظر إلى تأثير تحركاتهما المباشر في البيئة الأمنية والاقتصادية الإثيوبية.
تحولات مفهوم الجوار الاستراتيجي في القرن الأفريقي
تندمج الديناميكيات الأمنية في القرن الأفريقي بصورة متزايدة في أجندات جيوسياسية وجيو اقتصادية أوسع، تشمل التنافس الخليجي، واعتبارات الأمن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وحماية طرق التجارة العالمية. ومن الناحية العملية، قد تتمتع دولة تقع على الجانب الآخر من مسطح مائي بنفوذ أكبر على إثيوبيا من دولة مجاورة لها حدود برية رسمية، لكنها تفتقر إلى أدوات التأثير في الموانئ أو ممرات الشحن أو موارد المياه أو سياسات التحالفات.
وتتسم البيئة الإقليمية الراهنة بتوترات جيوسياسية معقدة ومتغيرة، وهشاشة مؤسسات الدولة، وضعف الدبلوماسية الوقائية، واستمرار الصراعات الداخلية، وتفاقم النزاعات الحدودية، وتنازع السيادة، إلى جانب تصاعد المنافسة بين القوى القادمة من خارج القارة. كما تتداخل أدوار الجهات الحكومية وغير الحكومية وسلوكياتها، الأمر الذي يجعل تحديد المسؤولية واحتواء الأزمات والتنبؤ بمساراتها أكثر صعوبة.
وتتزايد أهمية ممرات التجارة وغيرها من أدوات النفوذ، سواء كانت جغرافية أو تكنولوجية أو مؤسسية. ويقدم استخدام إيران لمضيق هرمز مثالًا واضحًا على كيفية توظيف السيطرة على نقاط الاختناق البحرية للحصول على تنازلات وممارسة النفوذ في مجالات متعددة. كما تمتلك طهران القدرة على توسيع هذا النفوذ إلى البحر الأحمر عبر الحوثيين في اليمن.
ولا يقتصر هذا المنطق الاستراتيجي على حركة النفط والتجارة، بل يمتد إلى الاتصال الرقمي أيضًا. ويؤدي البحر الأحمر دورًا بالغ الأهمية باعتباره نقطة اختناق رقمية، إذ تمر عبر مياهه، وفق تقديرات، نحو 90% من كابلات الألياف الضوئية البحرية التي تربط أوروبا بآسيا. وتشكل هذه الكابلات بنية تحتية سيادية حيوية تحت سطح البحر، لا تقل أهمية من الناحية الاستراتيجية عن طرق النفط والتجارة.
وتكشف هذه العوامل مجتمعة أن النظام الدولي المتغير ينتقل من نموذج تحدده أحياء جغرافية ثابتة نسبيًا إلى نموذج يقوم على العلاقات وتدفقات الحركة. وتمارس القوى نفوذها عبر السيطرة على نقاط الاختناق، وتحديد عضوية المؤسسات، وإدارة الشبكات الهجينة، والقدرة على فرض أو تخفيف مواطن الضعف المتسلسلة في مجالات المياه والطاقة والغذاء والشحن. وباتت الحدود تُعرَّف بصورة متزايدة وفقًا لحجم التداعيات التي تترتب عليها، لا وفق الخطوط المرسومة على الخرائط وحدها.
ومن هذا المنظور، يمثل اعتبار مصر واليمن «جارتين فعليتين» لإثيوبيا صورة من صور الوضوح الاستراتيجي. ويتطلب ذلك تطوير أديس أبابا مجموعة متكاملة من الأدوات تشمل الردع الصلب، والانخراط الهجين، والمنافسة داخل المؤسسات، وإدارة الممرات، والدبلوماسية على المسارين، والانخراط الاستراتيجي المستدام، والقدرة على رصد التطورات عن كثب والتدخل بوسائل مختلفة عند الضرورة لحماية مصالحها.
ويساعد التعامل مع الجهات التي يمكن لتحركاتها أن تؤثر بصورة مباشرة في البيئة الاستراتيجية لإثيوبيا على بناء العمق الاستراتيجي اللازم.
فالقرب لا يُقاس بالجغرافيا وحدها، بل بحجم التعرض للتداعيات. وتصبح الدولة «جارة» عندما تستطيع تحركاتها أن تغير البيئة الأمنية لدولة أخرى بصورة جوهرية، ومن دون موافقتها، وفي غضون فترة زمنية قصيرة. وتنشأ هذه الحقيقة التشغيلية عن ثلاثة تطورات مترابطة، هي تسليح نقاط الاختناق البحرية، كما يظهر في مضيق هرمز والتهديدات المحيطة بباب المندب، واندماج أدوار الدول والجهات غير الحكومية بما يطمس حدود المسؤولية ويعقد عتبات الاستجابة، وتحول مجالات كانت منفصلة سابقًا، مثل المياه والجغرافيا والطاقة والغذاء والشحن والبيانات والأسلحة، إلى ساحة واحدة مترابطة من مواطن الضعف.
مصر توسع نطاق المنافسة مع إثيوبيا
تنظر مصر، التي تمثل خصمًا طويل الأمد لإثيوبيا، إلى استكمال سد النهضة الإثيوبي باعتباره انتكاسة لجهودها الرامية إلى التأثير في المشروع وتأخيره ومنع تحوله في نهاية المطاف إلى أمر واقع. وبعد أن أخفقت القاهرة في تحقيق النتيجة التي كانت تفضلها بشأن مياه النيل، انتقلت إلى استراتيجية أوسع لاحتواء إثيوبيا تستخدم خلالها أدوات متعددة.
ولا تتحرك مصر باعتبارها منافسًا لدولة مشاطئة للنيل فحسب، بل تنشط أيضًا عبر المؤسسات الإقليمية والتحالفات وسياسات البحر الأحمر. فقد استخدمت جامعة الدول العربية لتعزيز موقفها المهيمن في ملف مياه النيل، كما أضافت معارضة مصر الحازمة لمسألة حصول إثيوبيا على منفذ بحري ساحة أخرى للتنافس بين البلدين. ويمتد نفوذ القاهرة، بالتالي، إلى ما هو أبعد من مفاوضات المياه الثنائية، ليشمل تحديد طبيعة النظام الإقليمي للبحر الأحمر ومن يحق له الانتماء إليه وبأي شروط.
وينبغي لذلك النظر إلى مصر ليس فقط باعتبارها منافسًا لإثيوبيا على مياه النيل بصفتها دولة تقع في مصب النهر، وإنما باعتبارها أيضًا جارًا استراتيجيًا متزايد الأهمية يمتد نشاطه عبر مسارح متعددة. فقد وسعت ترتيبات التعاون الدفاعي التي أبرمتها القاهرة، وحضورها في الصومال، وانخراطها في الصراع السوداني، وعلاقاتها مع إريتريا، ومشاركتها في قضايا الموانئ في جيبوتي، إلى جانب تحركاتها المستمرة مع دول أخرى مجاورة لإثيوبيا، نطاق حضورها الاستراتيجي في البيئة المحيطة بأديس أبابا.
وبعد أن عجزت مصر عن تقييد حركة إثيوبيا بصورة فعالة من خلال مفاوضات النيل وحدها، وسعت نهج الاحتواء ليشمل مسارح متعددة. وبذلك أصبحت المنافسة بين البلدين تتجاوز قضية المياه إلى النفوذ الإقليمي والموانئ والبحر الأحمر والتحالفات الأمنية.
اليمن وباب المندب.. جبهة أمنية تمس الاقتصاد الإثيوبي
يشغل اليمن موقعًا موازيًا، وإن كان مختلفًا، ضمن هذه الجغرافيا القائمة على العلاقات والتدفقات. إذ يشكل اليمن جارًا بحريًا لإثيوبيا بصورة أساسية عبر مضيق باب المندب، وهو نقطة الاختناق الضيقة التي تمر عبرها الغالبية العظمى من التجارة البحرية الإثيوبية في طريقها إلى ميناء جيبوتي.
ويهدد أي اضطراب مستمر في هذا الممر، سواء نجم عن هجمات الحوثيين على السفن التجارية أو مواجهات بحرية أو فرض مناطق حظر، واردات إثيوبيا من السلع الحيوية وعائداتها من الصادرات بصورة مباشرة، في ظل اعتماد البلاد شبه الكامل على ممر بحري واحد. كما تحدد التطورات على الجانب اليمني من البحر الأحمر مدى قرب اليمن الاستراتيجي من إثيوبيا، إذ يمكنها التأثير بصورة مباشرة في الوصول البحري الإثيوبي وتدفقات التجارة وسلاسل الإمداد والأمن الاقتصادي الأوسع.
ويجعل هذا المزيج من القرب الجغرافي والتعرض الوظيفي اليمنَ، الذي يقع في شبه الجزيرة العربية، عنصرًا أساسيًا في البيئة الأمنية والاقتصادية لإثيوبيا، وليس مجرد دولة بعيدة عنها.
ورغم هذا التعرض، ظلت إثيوبيا إلى حد كبير خارج مسار العسكرة المتزايدة لمضيق باب المندب. فقد وقعت هجمات الحوثيين على السفن التجارية منذ أواخر عام 2023، أعقبها تشكيل التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادة السعودية، بالتزامن مع اتساع التنافس بين القوى الخارجية على النفوذ في المناطق الساحلية للبحر الأحمر، بينما بقي الانخراط المؤسسي أو العملياتي الإثيوبي محدودًا.
ويتجه مركز التنافس على النفوذ في القرن الأفريقي بصورة متزايدة نحو ساحل البحر الأحمر والموانئ والممرات البحرية، إلى جانب المناطق الداخلية للقارة. وترتبط مصر واليمن مباشرة بهذا المجال البحري الاستراتيجي، في حين تعتمد شرايين الاقتصاد الإثيوبي بصورة كبيرة عليه. ويضع ذلك أديس أبابا أمام تحدٍ استراتيجي تتشكل فيه العديد من مصالحها الأساسية بفعل تطورات تقع في منطقة لا تتمتع فيها بتمثيل رسمي واسع أو انخراط مستدام.
ويكشف انتشار الأسلحة عبر البحر الأحمر كذلك مدى هشاشة هذه الحدود البحرية. فقد اتسم القرن الأفريقي منذ فترة طويلة بسهولة تداول الأسلحة الصغيرة والخفيفة، بينما شهد اليمن انتشارًا كثيفًا للأسلحة بين المدنيين؛ إذ قدرت أعداد الأسلحة النارية المتداولة هناك في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بنحو 17 مليون قطعة.
وتحركت الأسلحة تاريخيًا في الاتجاهين عبر المضيق من خلال شبكات غير رسمية، إذ انتقلت أسلحة مصدرها القرن الأفريقي إلى السعودية عبر اليمن، بينما تدفقت أسلحة يمنية أو أسلحة من مصادر أخرى جنوبًا إلى القرن الأفريقي. وتجري هذه العمليات في الغالب خارج السيطرة الرسمية للدول، وتسهم في استمرار حالة انعدام الأمن في المنطقة.
وتعزز الروابط المؤسسية هذا النمط من الترابط. فتتفاعل جيبوتي والصومال مع اليمن بوصفهما عضوين في جامعة الدول العربية، ما يضعهما ضمن أطر سياسية مشتركة لا تنتمي إليها إثيوبيا. وفي عام 2002، أنشأت اليمن وإثيوبيا والسودان منتدى صنعاء للتعاون في محاولة مبكرة لإقامة إطار منظم للتعاون الثلاثي. ورغم عدم وضوح وضع المنتدى التشغيلي حاليًا، فإنه يوفر أساسًا تاريخيًا يمكن لإثيوبيا البناء عليه لإعادة تطوير انخراطها المباشر مع اليمن، خصوصًا في مجالات الأمن البحري وتسهيل التجارة ومكافحة التهريب.
وتعمق الديناميات غير النظامية وغير الحكومية هذه الصلة. فإلى جانب تحركات اللاجئين المعتادة، لجأت عناصر من جماعات مسلحة معارضة مختلفة نشأت في القرن الأفريقي، في فترات متفرقة، إلى اليمن طلبًا للملاذ أو المأوى المؤقت. فعلى سبيل المثال، أفادت تقارير بأن عناصر من اتحاد المحاكم الإسلامية أعادت تنظيم صفوفها في اليمن عقب هزيمتها أمام القوات الحكومية الصومالية والقوات الإثيوبية أواخر عام 2006.
ونظرًا إلى الدور التاريخي الذي أدته هذه الشبكات في التمرد والتطرف الإقليميين، فإن سهولة الحركة عبر هذا الممر تحمل تداعيات مباشرة على الأمن الداخلي الإثيوبي. كما تخلق العلاقة الاستراتيجية لإريتريا مع إيران وقربها من الساحل اليمني الخاضع لسيطرة الحوثيين قنوات إضافية يمكن من خلالها لتطورات تتعلق بإيران والحوثيين والبحر الأحمر أن تؤثر في البيئة الأمنية للقرن الأفريقي.
وتثبت هذه الأنماط مجتمعة أن الحدود البحرية بين اليمن والقرن الأفريقي تؤدي دورًا أقل شبهًا بالحاجز وأكثر شبهًا بممر يربط بين البشر والمواد والشبكات.
غياب إثيوبيا عن ترتيبات البحر الأحمر يضاعف المخاطر
يزيد استبعاد إثيوبيا من التحالف الذي تقوده السعودية ويضم دولًا ساحلية على البحر الأحمر من حدة المشكلة. فإثيوبيا قد تكون، من حيث حجم تعرضها الاقتصادي، أكثر عرضة لاضطرابات باب المندب من أي عضو رسمي في ذلك التحالف، لأنها لا تمتلك منفذًا بحريًا بديلًا خاصًا بها.
ويضع غياب التمثيل المؤسسي في مواجهة هذا الانكشاف إثيوبيا أمام موقف استراتيجي شديد الصعوبة، إذ تظل عرضة للمخاطر من دون امتلاك الآليات اللازمة لإدارتها أو الإنذار المبكر بها أو التخفيف من آثارها.
وبوجه عام، يجعل موقع اليمن المحاذي لمضيق باب المندب، ودوره في تدفقات الأسلحة الإقليمية، ووظيفته التاريخية كملاذ لبعض الجهات المسلحة القادمة من القرن الأفريقي، ومشاركته في شبكات مؤسسية وغير رسمية متداخلة، عنصرًا لا يتجزأ من البيئة الأمنية الأوسع للقرن الأفريقي.
ورغم أن التعريفات الجغرافية التقليدية تحصر القرن الأفريقي في إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي والصومال، فإن الواقع العملياتي يتطلب توسيع نطاق الرؤية. ويجعل قرب اليمن وتأثيره الوظيفي منه جارًا رئيسيًا لإثيوبيا بالمعنى القائم على العلاقات، حتى وإن فصل البحر بين البلدين.
ومن شأن اعتراف إثيوبيا بكل من مصر واليمن باعتبارهما جارين قريبين بالمعنى العملياتي أن يتيح لها تطوير موقف استراتيجي أكثر شمولًا وواقعية.
وسيساعد هذا الاعتراف على مراقبة تطورات البحر الأحمر بصورة مستدامة، والانخراط الاستباقي مع المؤسسات والتحالفات ذات الصلة، واعتماد دبلوماسية مزدوجة المسار تتعامل مع الأبعاد الحكومية وغير الحكومية على السواء، وبناء أدوات قادرة على إدارة مواطن الضعف المتسلسلة في مجالات المياه والشحن والأسلحة والمؤسسات.
وفي عصر تحدده حركة التدفقات أكثر مما تحدده الحدود الإقليمية وحدها، يبدأ الوضوح الاستراتيجي من رسم خريطة دقيقة لمواطن التعرض للمخاطر.
https://hornreview.org/2026/08/24/egypt-and-yemen-in-ethiopias-security-architecture/

